تطبيق صحيفة خبير

آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
جيمس زغبي
عن الكاتب :
أكاديمي أمريكي من أصل لبناني و مؤسس و مدير المعهد العربي الأمريكي. كان يقدم البرنامج الأسبوعي فيوبوينت الذي بثه تلفزيون أبوظبي.

مصر يعتمد عليها استقرار 3 قارات


د. جيمس زغبي

يعتمد مستقبل مصر بدرجة كبيرة على كيفية تعامل الحكومة وأغلبية المصريين للأقلية المسيحية. فهل ستكون مصر مجتمعاً منفتحاً ومتسامحاً وخلاقاًَ؟ أم تكون غير متسامحة وتنظر إلى الوراء؟ الخيار يعود إلى المصريين أنفسهم.

قبل عدة أشهر تلقيت دعوة لإلقاء محاضرة أمام مؤتمر عُقد في منتصف شهر يونيو الجاري تحت إشراف منظمة «التضامن القبطي» الأميركية، قبلت الدعوة لأنني كنت أتوق للحديث عن التحديات التي تواجه مصر عموماً والأقلية القبطية خصوصاً.

وبعد أيام من انعقاد المؤتمر، تلقيت القائمة النهائية للمتحدثين أمام المؤتمر والموضوعات التي ستتم مناقشتها، وبعد مراجعة القائمة شعرت أنني مضطر للانسحاب.

وفي حين أنني لست باحثاً متخصصاً في الشؤون المصرية، إلا أنني زرت مصر عشرات المرات وأجريت فيها الكثير من الاستطلاعات، كما تسنى لي مرات عديدة إلقاء المحاضرات في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وأنا أحب مصر، والمصريين وأقدر إسهاماتهم العظيمة للثقافة العربية وللحضارة العالمية، ولن أنسى أبداً وصف القس جيسي جاكسون لمصر بأنها «المفصل الأساسي الذي يعتمد عليه مستقبل الاستقرار لثلاث قارات هي أوروبا وأفريقيا وآسيا».

وما يقلقني اليوم أنني أجد أن هذا المفصل صدئ وعرضة للتآكل، إذ إن ست سنوات من الاضطرابات التي أعقبت الربيع العربي فعلت فعلها في المجتمع المصري، فقد أسفر فساد نظام مبارك عن انتخاب رئيس من جماعة الإخوان المسلمين الذين أدت سياساتهم إلى خلق أزمة وجود للكثير من المصريين.

فحين رأى المصريون أن رؤيتهم لمصر المنفتحة والتعددية والخلاقة تختفي لمصلحة نظام غلق وأقل تسامحاً، ثاروا على حكم الإخوان المسلمين، فكانت النتيجة الإطاحة بالحكومة مما أدى إلى تعميق الانقسامات المجتمعية.

وكان كل ذلك واضحاً من استطلاعات الرأي التي أجريناها، فقبل ست سنوات، قال المصريون إن همهم الأكبر كان يدور حول فرص العمل والتعليم والرعاية الصحية والقضاء على الفساد والمحسوبية، وخلال فترة الحكم القصيرة للإخوان المسلمين، أظهر استطلاع أجري في مصر أن الغالبية ترفض محاولاتهم «أسلمة» الدولة، فالمصريون يريدون التغيير ويفضلون الحوار الوطني والمصالحة سبيلاً للتقدم إلى الأمام.

واليوم، يقول ثلاثة أرباع المصريين إن بلادهم تسير في الاتجاه الخاطئ، وأن لديهم القليل من الثقة في المستقبل. والأسوأ من ذلك أن استطلاعاتنا أظهرت وجود تسامح أقل وقبولاً أقل للناس من أديان أخرى.

وكان لهذه الحالة من عدم الاطمئنان وعدم الاستقرار وعدم الرضا، انعكاساتها على المجتمع المصري. فقد صب بعض أنصار الإخوان المسلمين جام غضبهم على الأقباط، متهميهم بالتواطؤ مع الجيش.
ومن الصعب توجيه اللوم إلى قيادات الأقباط الذين وجدوا أنفسهم في مأزق، فمن جهة، هناك السياسات التي تتسم بالتعصب للإخوان المسلمين والتي تشكل خطراً حقيقياً على الأقباط. ومن جهة أخرى، فإن الحكومة الجديدة التي أوحت باحترام المسيحيين ووعدت بتأمين الحماية لهم، فشلت في تحسين نوعية الحياة للمصريين، مما أدى إلى تغذية المزيد من السخط والتوتر الطائفي.

ولزيادة الأمور سوءاً، قامت بعض المجموعات المتطرفة بارتكاب الأعمال الإرهابية الفظيعة ضد المسيحيين في محاولة لإشعال المزيد من التوتر. وهكذا، نجد البلاد اليوم تدور في دائرة شريرة من القمع والعنف.

ويجد أصدقاء مصر كذلك أنفسهم في مأزق. فأولئك الذين يفهمون الدور المهم لمصر، حاولوا تعزيز قوتها من خلال تقديم استثمارات كبيرة من أجل تعزيز اقتصادها، لكن لا يمكنهم إجبار الحكومة المصرية على اتخاذ الخطوات الصحيحة وتغيير المسار.

هذا هو المأزق الذي كنت آمل مناقشته في مؤتمر التضامن القبطي، ومن ثم وقبل أيام على انعقاد المؤتمر، تلقيت البرنامج والقائمة النهائية للمتحدثين. وقد أقلقني أن وجدت أن الجلسة التي سوف أتحدث فيها تغيرت، فقد كنت مستعداً للحديث عن القضايا التي تواجه المجتمع القبطي في مصر، وكيف ندعم السياسات التي تحميهم وفي الوقت ذاته تساعد في جعل مصر أكثر انفتاحاً وأكثر تسامحاً. لكني اكتشفت أن عنوان الجلسة قد تغير إلى «الثقافة الأهلية للعنف والحصانة»، الأمر الذي يشي بوجود شيء ما خطأ متأصل في ثقافة المصريين أو المسلمين!

وبالإضافة إلى ذلك، هناك أسماء أحترمها من المشاركين، لكن هناك أسماء مدرجة ضمن قائمة مجموعات الكراهية ضد العرب والمسلمين، ومثل هؤلاء لا يعملون من أجل التغيير الإيجابي في مصر أو بناء مجتمع منفتح يحمي حقوق الجميع، بل هم من دعاة شن الحروب على المسلمين والإسلام.

إن العمل مع مجموعات وأفراد يحرضون على الكراهية والفرقة، لا يساعد في حماية الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط، بل على العكس من ذلك، فإنه قد يعرضهم للخطر، ولذلك، قررت الانسحاب من المشاركة في المؤتمر.

صحيفة القبس الكويتية

أضيف بتاريخ :2017/06/29

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد