آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
إسماعيل القاسمي الحسني
عن الكاتب :
كاتب جزائري

لن تركع الجزائر لسياسة بعض الدول الخليجية

 

إسماعيل القاسمي الحسني

ينعقد بداية هذا الأسبوع اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب في القاهرة، بطلب عاجل من السعودية بعد تدهور علاقتها مع إيران، إثر عملية إعدام نمر باقر النمر، و ما تبعها من الاعتداء على سفارتها و قنصليتها في إيران ثم قطع العلاقات، و خلال الأسبوع الفارط انقسمت الدول العربية إلى ثلاثة، فمنها من بادرت تلقائيا بقطع علاقتها مع إيران، و منها من انتظرت مكالمة مباشرة من السيد عادل جبير، قد تحمل في طيها غير طلب قطع العلاقة، مرفقات تهم أنظمة تلكم الدول، و أخيرا دول عربية اضطر الوزير لزيارتها بنفسه، و تحمّل حالة التواضع التي فرضت عليه، ليقدم شخصيا عروضا يعتقد أنها تليق بمقامها، عسى أن ينتزع منها الموقف المطلوب، و من بينها الجزائر، التي تعرضنا في مقال سابق لموضوع زيارته لها.

 

وفق حراك الدبلوماسية السعودية (إن جاز وصفها بالدبلوماسية، ذلك أنه في حدود علمي هذه الأخيرة تعني فيما تعنيه علم صناعة العلاقات و ليس العكس، و إبداع الحلول و المخارج و ليس نقيض ذلك، و توظيف تلكم الصناعة و الإبداع لصالح من تمثله الدبلوماسية)، فإن جدول أعمال الاجتماع الطارئ، لن يخرج عن عنوان واحد، قد يلخص في التالي: ضرورة اتخاذ موقف ملموس و عملي ضد إيران، انتصارا للسعودية، ليس بصفتها دولة عربية فحسب، و إنما على أساس أنها تمثل “عالم السُنّة”، هكذا يسوق كبار شخصياتها و كتابها عبر مختلف وسائل الإعلام.

 

إذا كانت الجزائر دولة و شعبا، قد دفعت كلفة باهظة نتيجة مواقفها المعارضة لحرب العراق ضد إيران، و التي كانت في جوهرها حربا خليجية بامتياز، تمويلا و تسليحا و تغطية سياسية و إعلامية، حين أغرقت السعودية السوق بإنتاجها من النفط، ليهوي حينها سعره حتى كاد يلامس عتبة ست دولارات للبرميل؛ فذات الكلفة اليوم تدفعها الجزائر، نتيجة موقفها من حرب دول الخليج بتشجيع و تواطؤ غربي ضد إيران على الساحة السورية، و مرة أخرى استعملت السعودية سلاح إغراق السوق بالنفط، سعيا منها للإضرار بإيران كهدف رئيسي، و كل من عارض سياسة السعودية أو اختلف معها في الرؤية.

 

أربع جبهات فتحت على مصر، حين لمس الغرب في شعبها و نخبها الوطنية الأصيلة قدرة جدية على التغيير لبناء دولة مؤسسات قوية، ترقى لمكانة مصر التاريخية و الجغرافية و الحضارية، كانت أولها جبهة المياه، مصدر الحياة و شريان الغذاء و الحركة الاقتصادية، و الثانية صناعة انقلاب داخلي بتشجيع خليجي ترتب عنه فوضى أمنية بالغة الخطر، و الثالثة دك اسفين مسموم آخر بين قطاع غزة و مصر، و زرع جماعات إرهابية مسلحة في سيناء، تعمل على إشغال الشعب المصري و جيشه في همّها و تحسّب جرائمها، و الرابعة تسليم ليبيا لداعش لتصبح قاعدة غربية على حدود مصر، تشكل خطرا دائما على أمنها و استقرارها. بهذه الأغلال الأربعة يمكن لأنظمة الخليج و على رأسها السعودية، أن تأمر مصر فتطيع، و تسوقها نحو تحقيق أهداف سياساتها و إن كانت معارضة للأمن القومي العربي، بل حتى لو كانت معارضة للأمن الوطني المصري نفسه، مثلما رأينا في حالة اليمن، و التي خرج فيها قرار التدخل المصري عن نص الدستور.

 

 

بذات الأغلال يسعى العالم الغربي، عبر أصدقائه من أنظمة الخليج لفرض الركوع على الجزائر، فمن شرقها ليبيا التي باتت تشكل هاجسا أمنيا متصاعد الخطر، و نلاحظ في هذه المرحلة تحديدا استقواء داعش، و محاولات لا تكل لاختراق تونس على الصعيدين الأمني و السياسي، و في جنوب الجزائر بمالي جماعات إرهابية تهدد حدودها، و على الناحية الغربية المملكة المغربية، التي تحسبها أنظمة الخليج حليفا استراتيجيا، يمكنه إلهاء الجزائر بافتعال نزاع و مناوشات متى دعت الحاجة، فضلا عن خلايا نائمة داخل رحم الجزائر نفسها، تابعة فكريا و ماليا و عقائديا للخليج، لها القدرة على افتعال الفوضى و زرع الرعب متى أمرت بذلك.

 

بعد تحييد العراق و سوريا بتخريبهما، من صناعة القرار العربي، و بعد وضع الأصفاد و الأغلال على كل أطراف مصر، كان لابد لتخلو ساحة القرار و التقرير لبعض الأنظمة الخليجية، من كبح جماح الجزائر، و هو ما تحقق نظريا على الأقل؛ لكن السؤال: هل تستسلم الجزائر و تسلم و هي ترفل بهذه المخاطر المحدقة بها؟

 

معرفتنا بتاريخ السياسة الخارجية الجزائرية، و خبرتنا برجالها و رجال رافعتها المؤسستين العسكرية و الأمنية، تفيد بالنفي القاطع؛ و نتوقع اليوم ألا يستجيب وزير الخارجية الجزائرية بشخصه لدعوة نبيل العربي ليوم غد، و أن حضور الجزائر لهذا الاجتماع إن كان، فلن يزيد عن مندوب من الدرجة الثانية إن لم تكن الثالثة، و ملخص موقف الجزائر إن كان يشترك في إدانة حرق السفارة السعودية، فإنه يعترض على حل أي إشكال مع إيران أو أي دولة عربية و إسلامية، بالمقاطعة و رفع منسوب التوتر، و دليل الجزائر على صحة سياستها و رؤيتها فضلا عن التقدير الاستراتيجي، أنه لا يستقيم عقلا و لا منطقا أن يعتمد شعار الحل السياسي و الحوار مع كيان العدو الإسرائيلي، الذي يحتل دولة عربية بأكملها، و أحرق أولى القبلتين و ثالث الحرمين (و ليس مجرد سفارة مع إدانة هذا العمل)، في حين يرفع نفير الحرب على دولة إسلامية، بذريعة تدخلها في الشؤون الداخلية للسعودية. لابد من ميزان واحد توزن به المواقف، فإما حربا و هنا العدو الإسرائيلي أولى، و إما سلما و حوارا و هنا الشقيق الإيراني أولى.

 

سيكون موقف الجزائر عبر ممثلها غدا، ليس أكثر من حضور رمزي تعبر فيه عن اعتراضها على الدخول في مواجهة أخرى ضد دولة إسلامية كبرى؛ و إن حضر وزير الخارجية بشخصه فلا يعني ذلك في حدود علمنا سوى مواجهة قوية، و صداما آخر مع وزراء خارجية بعض الأنظمة الخليجية (باستثناء سلطنة عمان)، ينتهي كما تعودنا على ترسيخ قاعدة: لن تركع الجزائر مهما ارتفعت كلفة الإخوة الأعداء.

 

صحيفة رأي اليوم

أضيف بتاريخ :2016/01/10

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد