#تقرير_خاص: هل يتعلم النظام السعودي من تجربة فنزويلا قبل فوات الأوان؟
عبدالله القصاب
تُظهِر التطورات الأخيرة في فنزويلا كيف يمكن للاعتماد المفرط على النفط والأجندة الاقتصادية غير المستدامة أن يقود بلدًا غنيًا إلى الهاوية الاقتصادية. فحكاية فنزويلا، التي اعتمدت منذ نصف قرن على عائدات النفط كخط الدفاع الوحيد لتحقيق الاستقرار المالي، تكشف مخاطر النموذج الريعي الذي يفتقر إلى التنوع الاقتصادي والإصلاحات البنيوية الضرورية.
لقد بدأت الأزمة عندما تراجع سعر النفط بشكل حاد، ما كشف عن هشاشة الاعتمادية المطلقة عليه، وفتح الباب أمام عجز مالي متزايد، سرعان ما تحول إلى أزمة عُمْقَة في العملة الوطنية، وتوقف الإنتاج، وازدياد الفقر والمعاناة الاجتماعية. الحكومة الفنزويلية لم تكن تدرك أن الإنفاق غير المنضبط، والديون المرتفعة، والاعتماد الكامل على مورد وحيد، جميعها عوامل أدت إلى الانهيار الحقيقي.
وفي سياق المقارنة، يُلاحظ أن السعودية، وهي أكبر مصدر للنفط في العالم، تتجه نحو مسار مشابه، إذ تعتمد بشكل كبير على النفط كمصدر رئيسي للدخل، وتُنفِق بشكل مرتفع على مشاريع ضخمة دون أن تظهر عوائد إنتاجية ملموسة. في الوقت نفسه، تتزايد وتيرة الاستدانة، بما يوحي بأن الاعتماد على الاقتراض لإدارة العجز أصبح سمة ثابتة للسياسات المالية، مع استمرار الرهان على النفط في أن يكون مقوم الاقتصاد الوحيد.
إلا أن الاختلاف الجوهري بين الحالتين هو أن السعودية لا تزال تتبنى خططًا لتنوع الاقتصاد، وتطلق مبادرات لتعزيز القطاعات غير النفطية، رغم الضبابية التي تكتنف نتائج هذه السياسات. ومع ذلك، فإن الاعتماد المفرط على النفط، وغياب الإصلاحات البنيوية، يهددان بتكرار سيناريو فنزويلا على المدى الطويل، خاصة إذا استمرت السياسات المالية الحالية دون تعديل.
الأمر الذي يثير القلق هو أن الاقتراض المستمر، وتحويل الدين إلى أداة ثابتة لإدارة العجز، يمكن أن يؤدي إلى فخ مالي لا يُمكن الإفلات منه، ويفتح الباب أمام أزمة اقتصادية تتسلل إلى كل مناحي الحياة. فكما كان الحال في فنزويلا، فإن استمرار هذا المسار قد ينتهي بانهيار العملة، وتوقف الاستثمارات، وتدهور الخدمات الأساسية، مما يهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي.
وبهذا الشكل، يتعين على النظام السعودي أن يعقلن مسار النموذج الاقتصادي القائم على النفط، وأن يستفيد من أخطاء دول مثل فنزويلا، قبل فوات الأوان. فالإصلاحات البنيوية، وتعزيز التنويع الاقتصادي، والحد من الاعتماد على الديون، ضرورة لتفادي وقوع الكارثة.
وفي النهاية، يبقى السؤال قائمًا: هل يُدرك النظام السعودي أن استمرار النهج الحالي، من دون إصلاحات ذات جدوى، يعيد صناعة سيناريو فنزويلا؟ أم أن الخطوات البطيئة تُمهد للبقاء، لكنها لا تضمن السلامة، خاصة في ظل تدهور أسعار النفط وغياب استراتيجيات فعالة للتحول الاقتصادي؟
إن الدروس التاريخية التي تقدمها فنزويلا تُعد رسالة واضحة لكل من يتوقع أن مداخيله النفطية وحدها ستضمن استقرارًا دائمًا. فالمسار الذي يتجه إليه بعض الدول النفطية، ببساطة، قد يؤدي إلى الانهيار إذا لم يُصحح المسار قبل فوات الأوان، وهو درس لم يتبقَّ الكثير ليُتَعلم منه.
أضيف بتاريخ :2026/01/07










