آراء ومقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
د. سعيد الشهابي
عن الكاتب :
كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

سياسة أمريكية جديدة لخفض الوجود في الشرق الأوسط


د. سعيد الشهابي

هل حقا أن هناك نية لدى الولايات المتحدة الأمريكية لتقليص وجودها في الشرق الأوسط؟ وهل تخطط فعلا لإعادة رسم خططها بما يتناسب مع التصدي للنفوذ الصيني المتزايد؟ فخلال الشهور الستة الأخيرة، أي منذ استلام جو بايدن الرئاسة الأمريكية، اتخذت واشنطن خطوات عديدة تشير إلى هذا المنحى، الأمر الذي أربك حسابات حلفائها في المنطقة، وأدى إلى إعادة تشكيل تحالفاتها.
ومن ذلك ما يلي: أولا إعلانها سحب صواريخ باتريوت من الجزيرة العربية، وخفض أعداد جنودها في القواعد العسكرية بمنطقة الخليج والعراق. ثانيا: إعلان سحب قواتها من أفغانستان بعد عشرين عاما، ليتزامن ذلك مع الذكرى العشرين لحوادث 11 سبتمبر التي دفعت الولايات المتحدة وبعض حلفائها في حلف الناتو للتدخل العسكري المباشر في أفغانستان وإسقاط حكومة طالبان. ثالثا: إعادة رسم توجهاتها في المنطقة بشكل يختلف عما كان مألوفا في عهد ترامب، ومن ذلك بدء الحوار مع إيران وممارسة شيء من الضغط على «إسرائيل» وتحريك خفيف للملفات الحقوقية والسياسية مع أنظمة ترفض الإصلاح. فماذا يعني ذلك؟ وهل حقا أن سياسة أمريكا على المدى البعيد ستسعى لخفض التركيز الأمريكي على المنطقة بعد أن أصبحت أقل اعتمادا على نفطها خصوصا بعد تطويرها أساليب استخراج النفط الصخري؟
في الأسابيع الأخيرة تعمق القلق لدى الدول الإقليمية بسبب ما يجري في أفغانستان. فالإعلان المفاجئ عن سحب القوات الأمريكية اعتبر تشجيعا لحركة الطالبان للسيطرة على البلاد بعد عشرين عاما من إسقاط حكومتها. فما الذي جرى بين الطرفين؟ وما شكل التفاهمات بينهما حول مستقبل ذلك البلد الذي ما يزال مصدر قلق أمني لأمريكا وحلفائها؟ وهل قررت واشنطن أن تتخذ طالبان بديلا لداعش التي انتهى دورها؟ وماذا عن المجموعات التي تفرعت عن داعش والقاعدة وأصبحت تمثل خطرا على العديد من الدول الإفريقية مثل بوكو حرام في نيجيريا والشباب في الصومال؟ الأمر المؤكد أن واشنطن لم تعد ترى في تلك المجموعات خطرا على أراضيها بشكل مباشر. مع ذلك فهي تراقب مصالحها في الشرق الأوسط، وتعتقد أن حمايتها لا تحتاج لتواجد عسكري دائم. ومن دوافع ذلك التفكير اعتقادها بعدم إمكان بروز قوة واحدة لتهيمن على الشرق الأوسط. فإيران والسعودية تتنافسان على النفوذ ولكن ذلك من الناحية الاستراتيجية ليس عنصرا جوهريا يستدعي الوجود العسكري الأمريكي الهائل. وكان البعض قد أثار مسألة «الشراكة الاستراتيجية» بين الصين وإيران، ولكن يبدو أنها صفقة تجارية تحصل الصين بموجبها على أسعار مخفضة للنفط الإيراني، ولا يعتقد الاستراتيجيون الأمريكيون أنها ستتحول إلى شراكة تهدد المصالح الأمريكية بشكل مباشر. فلدى الصين اتفاقات تجارية مع السعودية وبقية دول مجلس التعاون ايضا. كما أن الصين تحصل على كميات كبيرة من النفط من السعودية التي تزودها بـ 15 بالمائة من احتياجاتها النفطية والعراق 9 بالمائة، وهما أكبر المصدّرين للصين. وخلال الاثني عشر شهرا الماضية لم تستورد الصين من إيران إلا 3 بالمائة من احتياجاتها النفطية. كما أنها باعت لدول مجلس التعاون الخليجي من الأسلحة أضعاف ما باعته لإيران.
لقد كان هناك عدد من الفرضيات التي طرحت لتفسير التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة، والتي ربما تغير أغلبها. ومن تلك الفرضيات أن أمريكا تحافظ على وجودها العسكري لضمان تدفق النفط وحماية «إسرائيل» ومنع ظهور قوة أخرى، إقليمية أو دولية او على شكل تحالفات، تهيمن على شؤون المنطقة وتعوّق المصالح الأمريكية فيها. ومنذ حرب أكتوبر وما أعقبها من طفرة نفطية في منتصف السبعينيات كان ضمان حصول أمريكا على النفط من أهم دوافعها للتواجد العسكري.
أصبحت أمريكا المنتج الأكبر للنفط الصخري والغاز، وانتقل مركز الثقل الإنتاجي للوقود العضوي إلى نصف الكرة الغربي

وفي العام 1980 طرح الرئيس الأمريكي، جيمي كارتر مبدأه المشهور الذي أكد أن تدفق النفط من الخليج إلى أمريكا يمثل مصلحة أمريكية عليا. ولكن توجه أمريكا لاستخراج النفط الصخري في العقدين الماضيين ساهم في إعادة صياغة الاعتبارات المتصلة بالجغرافيا السياسية للطاقة. فقد أصبحت أمريكا المنتج الأكبر للنفط الصخري والغاز، وانتقل مركز الثقل الإنتاجي للوقود العضوي إلى نصف الكرة الغربي: أمريكا وكندا والمكسيك والبرازيل. وهذا التطور أثر على الشراكة السياسية بين أمريكا والسعودية التي تم التوصل إليها (بين الرئيس الأمريكي رزفلت والملك السعودي المؤسس عبد العزيز) قبل ثلاثة أرباع القرن ضمن اتفاقية «النفط مقابل الأمن». فأمريكا الآن تحصل على نفط من المكسيك أكثر مما تستورده من السعودية. بينما يتم تصدير ثلاثة أرباع النفط الخليجي إلى آسيا: الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. وأصبح على هذه الدول أن تساهم في تأمين خطوط الإمداد. هذا ما تراه أمريكا وتؤسس عليه نظرتها لتحديد حجم تواجدها العسكري في المنطقة.

الأمر الواضح أن التوجه الأمريكي في الشرق الأوسط لم يتغير منذ عقود. فتلك السياسة لم تتأثر كثيرا بحالات الفشل التي منيت بها توجهات أمريكا في المنطقة أو التغيرات الاقتصادية فيها. وحتى بعد سحب أمريكا اغلب قواتها من العراق وأفغانستان فما تزال تحتفظ بعشرات الآلاف من القوات في الشرق الأوسط، بالإضافة لعدد من القواعد الجوية والبحرية. ولكن هذا التواجد العسكري لم يساهم في حل إشكالات المنطقة أو صراعاتها، فلم يمنع ما حدث في سوريا أو ليبيا أو اليمن، ولم يحل مشاكل العراق المرتبطة بالأمن والاستقرار، كما لم يساهم إيجابا في الآزمة التي يمر بها لبنان حاليا.
وبرغم استمرار ظاهرة الإرهاب من جانب بعض المجموعات المسلحة إلا أن تهديداته تبدو محلية، ويستطيع الوجود العسكري الأمريكي المحدود التعامل معه. ولذلك تصاعدت في الفترة الأخيرة الأصوات الداعية لإعادة تقييم التواجد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط وأفغانستان. وتساءل الكثيرون عما إذا كان ذلك التواجد الذي نجم عنه خسائر بشرية كبيرة، مبررا بالمقارنة لما حققته أمريكا من مردودات اقتصادية أو سياسية. وما أن أعلنت واشنطن عزمها على الانسحاب من أفغانستان حتى هرعت وسائل الإعلام لبث معاناة العائلات الأمريكية التي فقدت أبناءها في مناطق النزاع مثل أفغانستان والعراق. وما أكثر الانتقادات التي وجهت لتلك السياسة من قبل السياسيين والإعلاميين الذين اعتبروها فاشلة تماما. فاذا كان التدخل الأمريكي في أفغانستان في العام 2001 يهدف للقضاء على طالبان التي اعتبرت مسؤولة عن حماية تنظيم القاعدة الذي قام بتفجيرات 11 سبتمبر، فإن الوضع لم يتغير اليوم. وبانسحاب أمريكا بدأت حركة طالبان في التمدد عسكريا حتى أصبحت تهدد أغلب المدن الأفغانية وقد يؤدي ذلك لاستلامها السلطة مجددا.
الحقيقة الأخرى التي يمكن ملاحظتها هنا تصاعد النفوذ الإسرائيلي في مناطق عديدة خارج الشرق الأوسط. ومن ذلك ما يلي: أولا توسع نفوذها في منطقة الخليج بعد إقدام كل من الإمارات والبحرين على خطوة التطبيع التي كانت ضرورية لوصول النفوذ الإسرائيلي العسكري إلى تلك المنطة لتصبح على تماس مباشر مع إيران، وكان من النتائج المباشرة لذلك استهداف إيران ونفوذها بمستويات غير مسبوقة. وتتعرض الجمهورية الإسلامية لاستهدافات شبه يومية، إذ تتعرض لهجمات سبرانية وأمنية مكثفة أحدثت إرباكات في منشآتها الحيوية ومنها المواصلات ومحطات القطار والمصارف ومحطات التوليد الكهربائية والمنشآت النووية. ثانيا: توسع نفوذها خارج الإقليم، وتمدده في دول أخرى خصوصا أفريقيا. وفي الأسبوع الماضي اعتقلت السلطات النيجيرية ثلاثة إسرائيليين قاموا بالاتصال بمجموعة تطالب بانفصال إقليم بيافرا عن نيجيريا.
يتضح مما سبق أن الولايات المتحدة تتجه بعيدا عن الشرق الأوسط بعد أن تضاءلت الحاجة لوجودها العسكري المباشر. فقد أصبحت هناك مصالح أمريكية محدودة فيها، لا تحتاج لتواجد عسكري دائم. ولذلك يبدو قرار سحب القوات الأمريكية من أفغانستان منسجما مع التوجه الأمريكي الجديد لتكثيف الحضور العسكري في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي ضمن استراتيجية جديدة تركز على التصدي للنفوذ الصيني المتعاظم في العالم.

جريدة القدس العربي

أضيف بتاريخ :2021/07/19

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد